ابن رشد
154
تهافت التهافت
المسألة الرابعة « في بيان عجزهم عن الاستدلال على وجود صانع العالم » قال أبو حامد : فنقول : الناس فرقتان : فرقة أهل الحق وقد رأوا أن العالم حادث وعلموا ضرورة أن الحادث لا يوجد بنفسه فافتقر إلى صانع فعقل مذهبهم في القول بالصانع ، وفرقة أخرى وهم ، الدهرية ، وقد رأوا أن العالم قديم كما هو عليه ولم يثبتوا له صانعا ومعتقدهم مفهوم وإن كان الدليل يدل على بطلانه . وأما الفلاسفة فقد رأوا أن العالم قديم ثم أثبتوا له مع ذلك صانعا وهذا المذهب بوضعه متناقض لا يحتاج فيه إلى أبطال . قلت : بل مذهب الفلاسفة مفهوم من الشاهد أكثر من المذهبين جميعا . وذلك أن الفاعل قد يلفى صنفين : صنف يصدر منه مفعول يتعلق به فعله في حال كونه ، وهذا إذا تم كونه استغنى عن الفاعل ، كوجود البيت عن البناء ، والصنف الثاني إنما يصدر عنه فعل فقط ويتعلق بمفعول لا وجود لذلك المفعول إلا بتعلق الفعل به ، وهذا الفاعل يخصه أن فعله مساوق لوجود ذلك المفعول ؛ أعني أنه إذا عدم ذلك الفعل عدم المفعول ، وإذا وجد ذلك الفعل وجد المفعول ، أي هما معا ، وهذا الفاعل أشرف وأدخل في باب الفاعلية من الأول ، لأنه يوجد مفعوله ويحفظه ، والفاعل الآخر يوجد مفعوله ويحتاج إلى فاعل آخر يحفظه بعد الإيجاد ، وهذه حال المحرك مع الحركة والأشياء التي وجودها إنما هو في الحركة ، فالفلاسفة لما كانوا يعتقدون أن الحركة فعل الفاعل ، وأن العالم لا يتم وجوده إلا بالحركة قالوا : إن الفاعل للحركة هو الفاعل للعالم ، وأنه لو كف فعله طرفة عين عن التحريك لبطل العالم ، فعملوا قياسهم هكذا : العالم فعل أو شيء وجوده تابع لفعل ، وكل فعل لا بد له من فاعل موجود بوجوده ، فأنتجوا من ذلك أن العالم له فاعل موجود بوجوده ، فمن